ما الذي يجري مع المنصات الرقمية؟!
كلُّنا، أو -على الأقلِّ- معظمنَا، نستخدمُ إحدى منصَّات التواصل الاجتماعيِّ بحثًا عن معلومة مفيدة، أو نقاش ذي معنى، أو حتَّى محتوى يضيفُ شيئًا للتفكير، لنجد أنفسنا بدلًا من ذلك محاطِينَ بسيل من المحادثات التَّافهة التي لا تغني فكرًا، ولا تُحسِّن تجربةً. تفاهة تتبعها تعليقات قذرة أو دنيئة، ثمَّ محتوى مكرَّر، ثمَّ إعلانات متخفِّية، في مشهدٍ رقميٍّ بات مألوفًا ومزعجًا في آنٍ واحدٍ.
هذا الشعور العام بأنذَ كل شيء أصبح أسوأ ليس مجرَّد انطباع شخصيٍّ، أو مبالغة عابرة، بل هو -كما يشرح الكاتبُ والناشطُ التقنيُّ كوري دكتورو في كتابه الأخير- نتيجة مسار واضح قاد إلى هذا التدهور المُتسارع في جودة المنصَّات والخدمات الرقميَّة.
يوضِّح دكتورو أنَّ معظم المنصَّات تبدأ علاقتها بالمُستخدم بشكل مختلف تمامًا: تجربة سهلة، محتوى جيِّد، وخدمة تحاول كسب الثِّقة وجذب الناس. لكن مع الوقت، ومع توسُّع المنصَّات وتراجع البدائل، يتغيَّر هذا التَّوازن. تتحوَّل الأولويَّة من خدمة المُستخدم إلى خدمة المُعلنِينَ، ثمَّ إلى تعظيم الأرباح، حتَّى لو كان ذلك على حساب جودة المنصَّة نفسها.
في هذه المرحلة، تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ(القاذورات الرقميَّة). خوارزميَّات تدفع المحتوى المثير للجدل إلى الواجهة، لا لأنه أفضل، بل لأنه يجذب مشاهدات وتعليقات أكثر. تفاهة تُكافأ بالانتشار، ونقاشات سطحيَّة تُضخَّم، وتعليقات دنيئة تُترك دون ضبط؛ لأنَّها ترفع معدَّلات التفاعل، حتى وإنْ أفسدت النقاش العام، وأضعفت قيمة المحتوى.
المشكلة، كما يؤكِّد الكاتبُ، ليست في التكنولوجيا ذاتها. الأدوات لم تصبح أسوأ بطبيعتها، بل القرارات التي تتحكَّم باستخدامها. فالاحتكارُ يلعب دورًا أساسًا في هذا الانحدار؛ حين تهيمنُ شركات قليلة على الفضاء الرقميِّ، تختفي المنافسة، ويجد المُستخدم نفسه محاصرًا بخيارات محدودة، مجبرًا على القبول بتجربة رديئة؛ لأنَّه لا يملك بديلًا حقيقيًّا.
إلى جانب ذلك، ساهم غياب القوانين الرادعة، وضعف الرقابة في ترسيخ هذا الواقع. فالمنصَّات لا تُحاسَب بجديَّة على تشجيع الرداءة، ولا على إفساد النقاش العام، ولا على تحويل المستخدم إلى مجرَّد مصدر بيانات يُستثمر بلا اعتبار للأثر الثقافيِّ أو الاجتماعيِّ.
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يكتفي دكتورو بالنَّقد، بل يقدِّم مسارات للخروج من هذا المأزق. يبدأ ذلك من وعي المُستخدم بأنَّ ما يعيشه ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات اقتصاديَّة وسياسيَّة. ويمرُّ عبر دعم القوانين التي تكافح الاحتكار، وتشجِّع المنصَّات المفتوحة، وتعيد الاعتبار لفكرة أنَّ التكنولوجيا يجب أنْ تخدم الإنسان، لا أنْ تستنزفه.
في المحصلة، يذكِّرنا الكتاب بحقيقة بسيطة، لكنَّها جوهريَّة: قبولنا اليومي بالرداءة يجعلها القاعدة. وكلَّما تعايشنا مع التَّفاهة، والتعليقات الدنيئة، وتجارب الاستخدام المزعجة، ابتعدنا أكثر عن إنترنت كان يمكن أنْ يكون أفضل، وأكثر فائدة، وأكثر إنسانيَّة.
